تُعالج السورة موضوعًا واحدًا تقريبًا، هو العلاقة بالآخَرِ سِلْمًا وحربًا، والأخلاق الإسلامية المطلوبة في هذه العلاقة، مراعيةً الظروف التي نزلت فيها، وهي بداية تشكِّل الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، منبهةً على مبادئَ عامَّة، وقواعدَ أساسيَّة في التعامل مع الآخَرِ، ومذكرة أيضًا بالأهداف من وراء الصِّدام الواقع حينها بيْن المسلمين والمشركين، مبينةً في الوقت نفسِه سببَ الصراع وعِلَّته الأولى، وكل السُّورة تطفح بالعناية والرِّعاية، والقدرة على حِفْظ ونصْر وتمكين الدولة الناشئة، إذا هي سارتْ كما يرسم لها الوحي، وكما يوجِّهها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
والسورة في شكلها تبدأ بمقدِّمة موجزة عن حادثة مطروحة "الأنفال"، رابطةً الحادثةَ بسِياقها، مبينةً في الوقت نفسِه علاقةَ الموضوع بالإيمان، مقدِّمة تعريفًا للمؤمِن الحق.
يلي هذه المقدِّمةَ الموجزة عرْضٌ واقعي عن الأحداث المعاشة حينها، والتعقيب عليها برَبْطها بعِللها وأسبابها (قدَرًا وشرعًا)، ويطول العرض - نسبيًّا - في المزاوجة ما بين حِكاية الواقع كما هو، وتحليله والتعقيب عليه؛ لتختمَ السُّورة من حيث بدأتْ، مبينةً الحاجة إلى المال، في التقوِّي على الأعداء، ومُجمِلة العلاقاتِ بالبشر - مسلمهم وكافِرهم - لتعودَ إلى المؤمن الحق؛ لتضيفَ إلى صفاته "الولاء، والهجرة، والجهاد"، واعدةً إيَّاه بصلاح الدارين: "مغفرة ورزق كريم".
ولنبدأ الآن مع السورة من بدايتها، نلخِّص ما يفتح الله به، وذلك في النِّقاط التالية:
أولاً: تبدأ السُّورة - كما قلنا - بالأنفال، وبيان لِمَن هي (وسواء علينا كانتِ الأنفال هي الغنائم - كما هو الظاهر من السِّياق - أو كانت الخُمُس المبيَّن لاحقًا، أو كانت ما يجعله الإمام لبعض الجيش، أو كانتْ ما جاء من المال عن طريق السرايا….إلخ) فإنَّ السورة بيَّنتْ حُكم الأنفال، وأنَّ مردَّ الحكم فيها لله ولرسوله؛ لتجعلَ السورة من ذِكْر الأنفال مدخلاً للتذكير بالإيمان، وتعريف حقيقته، مذكرةً المخاطبين بنجاتهم بوجوب طاعةِ رسول الله عليهم، وعلاقتها بالإيمان.
تبدأ هذه المقدِّمة الموجزة من قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾… إلى قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: 1 - 4].
ثانيًا: تبتدِئ السورة في عرْض أحوالِ الناس (المسلمين) قبل الأنفال، قبل النصْر وهم ما زالوا في وضْعٍ آخَرَ خائفين ذليلين يحتكر القرآن وحْدَه حقَّ التعبير الفني الحقيقي عنهم؛ ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُون ﴾ [الأنفال: 6]، ثم تُبيِّن السورة نِعم الله الكثيرة على هؤلاء كيف حَفِظهم، وثبَّت أقدامَهم، ونصرهم بملائكته، وبثَّ الرعب في قلوب أعدائهم، وجعل النُّعاس يتغشاهم ﴿ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾، وكيف: "ينزل عليهم من السماء ماء"؛ ليطهرهم ﴿ وَلِيُثبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ﴾ في حين حرم العدو كلَّ هذه المِنن والألطاف.
وتؤكِّد السورة قبلَ هذا كله على أنَّ هذا الوضع غيرُ سليم، فالحق اتَّضح، وهؤلاء المشرِكون أخرجوكم وآذوكم وقاتلوكم، وبالتالي لا معنى للتكاسُل، ولا للخور والجبن أمامَهم، فليس الوضع كما كان في مَكَّة، هناك كان الوضع ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾ [النساء: 77]، وحينها كان المسلِمون يُطالِبون بالقِتال والدِّفاع عن أنفسهم، فلا يؤذن لهم، أمَّا الآن فالإذن قد جاء بالقِتال؛ ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39].
رابعًا: من خلال هذا المدخل أرادتِ السورة أن تُبيِّن أصلَ الصِّراع، ومبدأه ومنشأه، وغايته:
أ- أصْل الصراع: ترجع السورة ذلك إلى سَببٍ رئيس له عِدَّة مظاهر للتجلِّي، أما السبب فهو: الحرابة.
وأمَّا مظاهرها، فتتجلَّى في:
1- المكر الهادف إلى:
أ- محاولة سجنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - سجنًا يمنعه من إبلاغ الدَّعوة، ونشْر الرسالة.
ب- محاولة اغتياله، عن طريق عصابة مجرِمين مختلطين، يصعُب الانتقام والقِصاص منهم.
ج- نفيه إلى جِهةٍ يكون نفيها إليها سببًا للقضاء على دعوته، وإخراجه مرغمًا مِن أرْضه ووطنه.
وهذا ما بينتْه الآية: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ [الأنفال: 30]، وأنَّه: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33]، وحين نُدرك أنَّ العذاب الذي حلَّ بهم ليس عذابًا سماويًّا محضًا، وإنما جاء على أيدي "المستضعفين"، يتَّضح لنا المعنى أكثر.
2- الظلم الواقع على أصحابه، والذي طالهم في مكة أجمعين - تقريبًا - ولاحقهم بعدَ الهجرة إلى الحبشة، متابعةً للأشخاص، ومصادرةً للحريات، ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: 8].
3- الإنفاقات السخية على الحَرْب ضدَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومعاشِر المؤمنين في الدولة الفتية، وهذا ربَّما ورد التنبيهُ إليه فقط؛ ليجعلَه المؤمنون في الحسبان؛ لأنَّه ليس من أعمال ما قبل المعركة، وسيرتَّب عليه أمر ما في المستقبل.
4- التخويف والتهديد، الذي جعل المسلمين في أشدِّ الخوف، يخافون أن يتخطَّفهم الناس.
5- صد المسلمين عن المسجد الحرام ومنعهم من عمارته.
6- مشاقَّة المسلمين، ومحاربتهم ظلمًا وعدوانًا، حتى كأنَّ لسان حال المسلمين يصرخ: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ [المائدة: 59].
ويصيح: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ [غافر: 28].
وهذا ما بينتْه السورة في غير ما آية: مثل: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الأنفال: 13]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 36]، ﴿ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [الأنفال: 34]، ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ﴾ [الأنفال: 26].
غاية الصراع:
لا تُطلق السورة الصِّراع أبديًّا سرمديًّا، وإنما الصِّراع مرتبط بأسبابه، فهو يتوقَّف بمجرَّد رجوع المعتدين عن الاعتداء، وتمام ذلك بأن تكون "كلمة الله هي العليا"؛ لكي تضمنَ الحرية للناس، فيعبدوا ربَّهم لا يخافون، ويقوموا بالعدل للناس، على أساس: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 6]، وأساس: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256]، وأساس: ((خلُّوا بيني وبين الناس))[1]، وأساس الاحتواء لا الإلغاء، مع الدعوة بالحِكمة والموْعظة الحَسَنة، والجِدال بالتي هي أحسن، وتعقيب الله - تعالى - على قوله: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوا ﴾ بقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 39]، كأنَّ الآية تشير إلى قوله - تعالى - في الآية الأخرى: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22]، أو إلى قوله: ﴿ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [الشورى: 48]، وما في معناهما من الآيات.
فالصِّراع إذًا محدَّد الغاية والهدف، ليس من أجْل الصِّراع، وإنما مِن أجل قيمةٍ أسْمى كما سيتضح لاحقًا في قضية الأسرى.
خامسًا: تَعُود السورة مرة أخرى للمال "الغنائم"؛ لتبينَ أنَّ خُمُس هذه الغنائم لله ورسوله، ولذي القُرْب