Yahoo!

مبروك للشعبين الأبييينالتونسي والمصري على قطع دابر الدكتاتورين الآثمين.. وعقبى خير لليبيين واليمنيين والبحرينيين والسوريين ولكل العالم العربي والإسلامي.. وإلى الأمام فبالصبر والإقدام والإباء نجنى نتائج أكثر


المرأة في الإسلام 2 ضد الإسلام

ديسمبر 12th, 2009 كتبها سيد ولد عيسى نشر في , المرأة

 

كنت في الجزء الأول من المقال قد توقَّفت عند بعض النِّقاط التي أثارها (أبو لهب) حول المرأة، وتعامل الإسلام معها معرِّجًا على بعض الشُّبَه الأخرى المتعلِّقة بالعقيدة، وقد كانت نهاية ذلك الجزء عند التعليق على آية: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، وها أنا أواصل التعليق على النِّقَاط ورد الشُّبَه - بعون الله - بادئًا من حيث انتهيتُ هناك، والله الموفق.

 

يقول الكاتب: "إن الآية تتعامل معهنَّ بالكيلو؛ لأن المعنى هو: تزوجوا ما يعجبكم من النساء، اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، وهو خطابٌ ذكوري يدني من شأن الطرف الأنثوي".

 

عجبًا! من أين للكاتب هذا التأويل البعيد؛ بل والمنكر على الأصحِّ؟! الآية تحدِّد عددَ الزَّوجات بأربعٍ في أقصى الحالات، وتُقيِّد إباحة الأربع بالجزم بالعدل بينهن؛ {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وهو مع ذلك يجعله خطابًا أنثويًّا، ويتناسى أن الآية جاءت:
لحدٍّ أقصى للمباح من الجمع بين النساء بأربع.
لتُقيِّد ذلك بالاستطاعة.
لتقف في وجه مَن يتطاول من الرجال على حقوق النساء، مبينة أن ذلك ليس تطاولاً على حقوقهن، وإنما هو تحدٍّ وتجاوز لحقوق الله الذي خلقه وخلقهن {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1].
لتضمن لهنَّ نيل حقوقهن المادية: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، والمعنوية: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].

 

والكاتب تُوحِي عبارته: "اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة" أنه لم يفهم المراد من الآية، فليس المراد أن يتزوج ستًّا، ولا أن يتزوج ثمانيًا، وليس الأمر بعد ذلك أمرًا واجبًا، وإنما المراد قصر الزواج على اثنتين أو ثلاث أو أربع على الأكثر، إباحةً لا وجوبًا.

 

وأمَّا ذكورية هذا الخطاب فنعم؛ لأن الذكور هم الذين كانوا يأكلون حقوق النساء، وهم المدعوُّون في الآية إلى التخلِّي عن هذا الخلق الخسيس.

 

وأما كونه يدني من شأن المرأة فكلاَّ، بل يُعلِي من شأنها، ويجعل قضاياها محلَّ نقاشٍ في أعلى دستور إسلامي، ألا وهو القرآن.

 

وقفة مع المحذوف:
من العجب العجاب ومن اللاَّفت للانتباه أن الكاتب تجاوز فقرة في الآية الكريمة هي قوله - تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وقد وقفتُ متحيِّرًا أمام الأسباب التي جعلته يحذف هذه العبارة من النصِّ، فقلت: لعلَّه لا يعرفها، لكن خاب ظنِّي حين وجدته ذكرها مع الآية في المقال سابقًا، ثم قلت: لعلَّه اكتفى من الآية بالألفاظ المتعلِّقة بالتعدُّد، فإذا به يذكر ما بعد الجملة المحذوفة، وعلى كلٍّ فإن الجملة التي تجاهلها الكاتب تَرُدُّ عليه زعمَه وتدحض حجَّتَه، وتنسف كلَّ ما قاله عن التعدُّد من أصله.

 

يقول الكاتب: "{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، تُسانِد هذه الكلمات أن المعنى الغالب في هذه (الآية) هو النُّكح بمعنى فعل الجنس؛ لأن وطأ ملك اليمين محلَّل بحكم الملكية وهو ليس الزواج، ويؤدِّي التركيز القوي لمعنى الزواج كفعل للجنس وربطه وقرنه بالعبودية، وفي جملة (آية) واحدة إلى امتهان فاضحٍ لمعنى الزوجية، المفروض أن يكون معنًى ساميًا ومشاركة متبادلة بين إنسانين لهما نفس الوزن في هذه العلاقة".

 

إن الكاتب يقف بكلِّ ما أُوتِي من قوة، ويبذل كلَّ ما لديه من جهد من أجل أن يكون معنى الآية الكريمة {فَانْكِحُوا} فطَؤُوا، وهو معنى يستحيل عند مَن له أدنى نصيبٍ من المعرفة بالعربية وأساليبها والشريعة وأحكامها؛ وذلك لاعتبارات من بينها:
أنَّ النكاح إذا كان بمعنى الوطء ينعدم الفرق بين النكاح والزنا، وشتَّان ما بين الاثنين شرعًا وعقلاً.
أن الشريعة نهت أن يدخل الرجل على أيٍّ من زوجاته في غير يومها، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يأمر بوطئهنَّ مجتمعات؟!
أن الإسلام دعا إلى التستُّر عند اللِّقاء بين الزوجين، وضبط ذلك بضابط الحياء والكتمان، فلا يمكن أن يبيح وطءَ نساء مجتمعات في مكان واحد، فهذه فكرة حيوانية شهوانية لا يمكن أن يتصوَّرها إلا مُنْحَلُّ الأخلاق، مُنْحَطُّ التَّصوُّر، جاهلٌ بالإسلام وآدابه.

 

وقفة مع ملك اليمين:
شرع الله للرجل المسلم أن يطأ أَمَتَه المسلمة دون عقدٍ ولا مهرٍ، فلماذا هذا التشريع؟ ولماذا شرع تعبيد بعض الناس لبعض أصلاً؟ هل شرع هذا الأمر لكي تَلِجَ الأمة أعلى درجات الهوان؟ أم ليجد الرجل أعلى درجات اللذة البهيمية؟ أم ليحرص الناس على الرقِّ، ويتبارون في ملك الجواري؟

 

أولاً: جاء الإسلام وسوق الرقيق قائمٌ على قدمٍ وساقٍ، كلُّ مَنْ قدر على أن يستعبد حرًّا يستعبده مهما كان، والقبيلة تهاجم جارتها على غِرَّة منها فتسبي وتستعبد مَن شاءت دون حقٍّ، والفقر بدوره مصدر لاستعباد الناس.

 

وقد حرَّم الإسلام كلَّ هذه الطرق الملتوية، وأحلَّ للاستعباد طريقًا واحدًا، هو طريق الجهاد في سبيله المكتمل الأركان والشروط.

 

وكان هذا التشريع رحمةً بالمستعبَدين؛ لأنه يبقي لهم حرياتهم الدينية والثقافية والأخلاقية، ويقدم لهم الغذاء مقابل عمل لا يرهقهم ولا يؤذَون فيه، ولا يمنع الإسلام من عتق أيٍّ منهم أراد أن يكسب حريَّته مقابل مبلغٍ يتَّفق عليه هو وسيده المسلم، بل يشجع الإسلام على ذلك ويطالب به كما سيأتي.

 

وقد شرع الإسلام هذا؛ ليريهم رحمته وعدالته وتسامحه؛ علَّ أن يلين ذلك قلوبهم فيسلمون بقناعة واختيار.

 

ثانيًا: بعد هذا شرع الإسلام باب العتق على مصراعيه، فجعل له مخارج، من أهمها:
ترغيبه في عتق العبيد، وإعطاؤه الثواب الجزيل على ذلك.
جعل العتق كفارةً لأخطاء كثيرة، منها:

كفارة اليمين.

 كفارة القتل.

 كفارة الظهار.
طلبه من المسلمين مساعدة العبد حين يطلب التحرُّر؛ {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33].
تخصيصه نصيبًا من الزكاة التي هي ثالث دعائم الإسلام للأرقَّاء؛ {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60].

 

ثالثًا: لم يكن تشريع الإسلام لوطء الأَمَة دون عقد ولا صداق عبثًا، وإنما كان جزءًا من خطته العظيمة للقضاء على الرقِّ؛ فقد كان هذا التشريع يهدف أهدافًا سامية، من أهمها:
أ- تلبية الرغبة الجنسية لدى الأَمَة: إذ يرغب الناس عن نكاح الإماء دائمًا، والإسلام واقعيٌّ يعلم أن لهنَّ رغباتهن الجنسية الفِطرية، فأراد أن يكسر الحاجز بينهن وبين أسيادهنَّ ليحصلن على إشباع تلك الغريزة الفطرية، هذا مع العلم أن الإسلام كره تزوج الإماء ولم يبحه إلا للضرورة الشديدة؛ وذلك حرصًا منه على القضاء على الرقِّ بأسرع وقت، ومحاصرته في أضيق الزوايا، وكذلك:
ب- ليعالج المشكلة النفسية لديهنَّ، فالشخص المباشِر لهن الذي يتولَّى استخدامهن هو الذي يلبِّي لهن رغباتهنَّ، وهذا ما يجعلهن يترفَّعن عن المهنة التقليدية لهن في الجاهلية (البغاء).
جـ- أن يحصلن بذلك في المستقبل على الحرية بأن يصرن أمهات أولاد، ومعلومٌ أن أم الولد تتحرَّر بمجرَّد موت سيِّدها، ولا يمكن أن يُعيِّرها ذوو سيدها بأنها كانت أمة؛ لأنها أصبحت أم أولاد ابنهم.

 

وهنا يعلم أن الإسلام لم يشرِّع هذا التشريع الحكيم عبثًا؛ وإنما شرعه لحكمة بالغة لا علاقة لها بإشباع الشهوات المنحرفة، ولا بتشجيع الرق، ولا بإهانة الإماء؛ بل على العكس من ذلك كله.

 

وهنا يتبين حَيْفُ الكاتب ومجانبته الصواب حين قال: "عند أخذ هذه المعاني بالجملة تخرج صورة مزرية لفكرة الزواج في الإسلام، فكرة الزواج كشراكة أبدية بين إنسانين متكافئين، تقوم على المحبَّة والرَّحمة وعلى التعهُّد الضمني أو المصرح بمواجهة الحياة في السرَّاء والضرَّاء، ليست غير موجودة فحسب، ولكنها تستبدل بشراكة تركز على أحقية الرجل في (نكاح) زوجته، مع الحق الإلهي له في (نكاح) نساء أُخريات، حسبما يمليه عليه ضميره، وحسب نوازع شهوته، وحسبما تسمح له حالته المادية باقتناء الجواري.

 

وقد أحدث القرآن هذا التغيير بجرَّة قلم في جملة واحدة؛ ليمحو الكثير من الحقوق ومن المنزلة التي تمتعت بها المرأة في الجاهلية".

 

وقفة مع المصادر التاريخية للعصر الجاهلي:
إنَّ الكاتب حين أراد الحديث عن الحرية التي يزعمها للمرأة في الجاهلية قدَّم بين يدي عجزها عن الحصول على أدلَّة لما يقول باعتذارٍ مفاده: أن أغلب تاريخ العرب في الجاهلية كتبه مسلمون، وذكر أن الصورة التي عند المسلمين هي أن الجاهليين كانوا يَئِدُون بناتهم؛ ليرسل نَفْثَةَ شكٍّ إلى هذه الحقيقة باعتبارها لا تساندها أدلَّةٌ كبيرة من الشعر الجاهلي، ناسيًا أو جاهلاً أن الشعر الجاهلي بدوره لا يوجد منه محفوظ إلا ما كان عند المسلمين.

 

وهنا أقول بشكل مجمل: إن الانتقائية لا ينبغي أن نأخذ بها المصادر التاريخية؛ فالمسلمون بطبيعتهم لا ينفون الآخر وإنما يعترفون له بفضله كاملاً غير منقوصٍ، وهذا المبدأ الإسلامي الأصيل طبَّقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق))، فهذا اعترافٌ منه - صلى الله عليه وسلم - كعادته بما كان في الجاهلية من فضل، بل هناك دليلٌ آخر على وفائه - صلى الله عليه وسلم - لأي خُلُقٍ نبيل؛ فهو الذي حضر حِلْفَ الفُضُول، وقال حين تذكَّره وهو بالمدينة والصراع مع الجاهلية على قَدَم وساق: ((لقد حضرتُ في دار عبدالله بن جدعان حلفًا ما أودُّ أن لي به حمرَ النَّعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت)).

 

وعلى هذا النَّهج صار المؤرِّخون المسلمون يعترفون للجاهلية بما كان فيها من صواب مهما كانت قلَّته، ولولا ذلك لما وجدت (يا أبا لهب) مادةً لمقالك حتى تثبت للمرأة في الجاهلية شيئًا.

 

وقد (أخطأ است (الكاتب) الحفرة) - كما يقول المثل العربي - حين التمس المعاذير للجاهلية في وأدها لبناتها بعد أن لم يجد ملجأً يحميه من المصادر التاريخية الإسلامية بعد أن فشلت - حتى في ذهنه هو - محاولته لنفي الوَأْدِ من التاريخ والشِّعر الجاهلي، فقال: "مما لا شكَّ فيه أن انتشار الفقر بين بدو القبائل قد أدَّى إلى الكثير من هضم لحقوق الأفراد، ولكن هذا يحدث في أيِّ مجتمع يعيش على حافَّة الكفاف".

 

أيُّ منطق تبريري هذا حين تصادر (ليس) حريات الأفراد فقط - كما سماها هو - بل ذواتهم؟ كيف يمكن للتبرير سواء بالفقر أو الجهل أو أيِّ عذر أن يجد طريقًا إلى مَن يأخذ إنسانًا حيًّا، ويستودعه التراب أحرى إن كان ثمرة فؤاده وقرة عينه؟! إنه الإجرام إن قبلنا هذا التصرف مهما كان جهل وتخلف صاحبه.

 

ويضرب الرجل صفحًا عن الصفحة التي فتحها للتحقيق في قضية الوأد لي

المزيد


المرأة في الإسلام (1) ضد الإسلام

أكتوبر 27th, 2009 كتبها سيد ولد عيسى نشر في , المرأة

 

 

ما زال الإسلامُ يَتَعَرَّض للهُجُوم تلْو الهُجُوم، والاعتداء تلْو الاعتداء؛ تشكيكًا في نُبُوَّة نبيِّه محمدٍ - صلَّى الله عليه وسلم - وطعْنًا في شرائعِه؛ "كتابًا وسنًّةً"، بل وتطاوُلاً على الله ربِّ العالَمين في بعض الأحيان، ومِن آخر ما واجَهَني من ذلك: ما كَتَبَهُ أحدُ الكتَبة العرَب في شأْنِ تعَدُّد الزَّوْجات؛ إذ وجدتُ فيه الكثيرَ من الهجوم والغلط، فأحببتُ أن أرُدَّ الهجوم، وأُصَحِّح الغلَط قدْر الإمكان.

 

هنا يأتي هذا المقال ردًّا على ما كَتَبَه مَن سَمَّى نفسه "أبو لهب"، تحت عنوان: "حُقُوق المرأة العربية في الجاهليَّة"، وقد اعتبرَ الكاتبُ الإسلامَ نقَّص حُقُوق المرأة التي كانتْ عندها في الجاهلية، وحجَّمها، وقد وجدتُ الكثير من الشُّبَه في المقال، ولم أشأ أن أُناقشَها كلها، واكتفَيتُ في بعضها بالإشارة والتلويح.

 

فأقول وبالله التوفيق:
يقول الكاتب: "أدخل محمد بن عبدالله تغيُّرًا حاسمًا في نظرة الإسلام إلى المرأة، وقد أدَّى هذا التغيير إلى نتائجَ سلبيَّةٍ كبيرة، ما زالت المجتمعاتُ الإسلامية تُعاني منها الآن".

 

أنا هنا لا أزيد على أن أسأل الكاتب:
أين التغيُّر الذي أدْخَلَهُ محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - على نظرة الإسلام إلى المرأة؛ أعني: ذلك التغيُّر الذي أدَّى إلى مشاكل ما زالت المجتمعاتُ الإسلامية تُعاني منها - حسب رأيك يا كاتب؟!

 

ويقول أيضًا: "ويُجْمِع المؤرِّخون - كما سنذكُر لاحقًا - أنَّه كان لهذه السيدة – يعني: خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها - أعظم الأَثَر في حياة محمد بن عبدالله، وفي تشْجِيعه على بلْوَرة أفكار نبوَّتِه".

 

هذا المقْطَعُ يشي بأنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان مُدَّعيًا للنبُوَّة، ونحن لا نُريد أن نلزمك - أيها الكاتب - بالإقرار بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فدينُنا يفرض أن "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، لكن نُريد أن نلْفتَ إلى ما يلي: إذا كان محمدٌ - صلى الله عليه وسلم، حسب رأيك - مُؤَلِّفًا لنُبُوَّة، مفتعلاً لها من عند نفسه بمساعدة منَ "السِّت" خديجة - كما أحببتَ أنت أن تسمِّيها - فمَن كان يساعدُه في بلورة أفكار نبوته بعد وفاة خديجة؟ هذا مع العلْم - إن كنتَ لا تعلم - أنَّ جميعَ شرائع الإسلام - بما فيها الصلاة - كانتْ بعد خديجة - رضي الله عنها.

 

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: فإنَّ المؤرخين لَم يُجْمِعوا - بل لم يدَّعِ مؤَرِّخ واحدٌ مِمَّن يستحقُّ أن يُطلَق عليه هذا الاسْم - أنَّ النبوَّة أفكار من عند محمدٍ، فمِن باب أحرى أن يوافِقوا على أن خديجة شاركتْ في وضع تلك الأفكار.

 

ثالثًا: معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم، محمدٍ المدَّعِي، المؤلِّف للأفكار في نظرك - ما زالتْ تَتَحَدَّاك، وتَتَحَدَّى كلّ المُشَكِّكين؛ فالقرآنُ ما زال قائمًا بذاتِه، وأنت على ما يبدو تعْرف العربيَّة وتَتَكَلَّم في معاني "ما"، ومعاني "نكح"، وتُرَجِّح، أرجوك ها هو القرآنُ يَتَحَدَّاك، فرُدَّ التحدِّي عن نفسك، وألِّف عشْر سور مثله، أو سورة واحدة مثله، أو آية واحدة مثله، فإنْ لَم تفْعلْ ولنْ تفْعلْ، فاعلمْ أنَّ محمدًا ليس بمؤلف ولا كاذب، وإنما هو نبيٌّ رسولٌ.

 

ويقول الكاتبُ أيضًا: "نتيجة لنفوذِها، وعِظَم شخصيتها، وكفالتها لمحمد من ناحية اقتصاديَّة، فقد ظلتْ زوجة محمد الوحيدة إلى موْتها في السنة الثامنة للهجرة".

 

محمد - صلى الله عليه وسلم - كان يتيمًا، وكان فقيرًا، وكان صبيًّا، بهذه الصفات يُرَبِّيه عمُّه أبو طالب، أفقر أعمامِه - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهم عيالاً، ولم يدَّعِ مؤَرِّخٌ واحد كاذبٌ ولا صادق أنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سأل أحدًا شيئًا، بل كان يَرْعَى الغنَم على "قراريط" لقريش، ولَم يَكُن يرغب في المال ولا في الثروة، ولو كان كذلك لما أرسلتْه خديجة يتجر لها في مالها - الجزء الذي غفلتَ أنت عنه في القصة - ولو كان المالُ همَّه لأخَذَ المال وهو بالشام، وقتل ميسرة، واستقر له الغنى في الأرض المبارَكة بعيدًا عن الجزيرة العربية؛ لهذا فإنَّ كفَالة خديجة له لن تدفعه - وبالفعل لم تدفَعْه - إلى أنْ يُغَيِّرَ في دينَه؛ فقد كان أبو طالب عمُّه كافلاً إيَّاه، وحين عرض عليه خطة قريش والرضوخ لطلباتِهم، قال كلمته الشجاعة الشهيرة: "والله لو وَضَعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أَتَخَلَّى عن هذا الأمر، ما تخليتُ عنه حتى يتمَّه الله أو أهلك دونه".

 

فلو كانتِ الكفالة الاقتصادية أو الحماية البشرية تطبيه، لَرَضَخ لطلَب عمِّه الكافل له منذ نعومة أظافره، أو لخضَع لطلَب قريش، حين قالتْ: "إنْ كنْتَ تُريد مُلكًا مَلَّكناك، أو تريد المال جمعنا لك من أموالنا حتى تكونَ أكثرنا مالاً"، فهو في هذه الحالة استغنى عن خديجة وعن حمايتها، ووجد المُلْك والمال - لو أرادهما - لكنه لا يُريد غير تبليغ رسالة ربِّه، بِغَضِّ النظَر عن المال والجاه، والنِّساء والرجال.

 

وأخيرًا:

إنَّ خديجة - رضي الله عنها - لم تَتَوَفَّ في السنة الثامنة مُطلقًا، لا منَ الهجرة كما زعمتَ، ولا من البَعْثة إنْ كنتَ تقصد البَعْثة، على ما نعلَمُ، وعلى كلٍّ فباحثٌ مثلك غير معذور في جهْلِ مثْلِ هذا؛ فخديجةُ إنما توفِّيَتْ في السنَة العاشرة للبعثة، كما هو معروف!

 

يختم الكاتبُ تعليقَه على الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، بهذه الكلمات: "ونعود للتأكيد أنَّ السبب وراء هذا الأسلوب النبيل، وهذا الموقف التقدمي، حتى بمقاييس عصرنا - هو شعور محمد نحو خديجة بالجميل والعرفان؛ لوُقُوفها بجانبِه معنويًّا".

 

فهو يرى هذا الموقف نبيلاً وتقدميًّا، "حتى بمقاييس عصرنا"، هذا العصر الذي نسي أن تجارة اللحوم البيضاء "البغاء" والمخدرات وأنواع الشذوذ الجنسي - هي أربح تجاراته، ناسيًا أو جاهلاً أن هذا الموقف النبيل العظيم لَم يُنْسَخ، ولَم يتَغَيَّر، ولم يتبدلْ، وأنه لا تنسخه آيةُ النساء ولا غيرها بإجماع جميع العلماء؛ لأنه وقَع على جهةِ الامتنان والإخبار بالنِّعَم، والخبرُ كما هو معلوم عند جميع العلماء لا يمكن أن ينسخَ مطلقًا.

 

ثم يضيف الكاتب: "بعد وفاة خديجة، بدأ موقف محمد من النِّساء في التغيُّر تغيُّرًا جذريًّا، فتزَوَّجَ - وتقريبًا في الحال – بزَوْجَتَيْن: سودة بنت زمعة، وخديجة التي لم يدخلْ بها إلا في المدينة.

 

أنا هنا أتساءَل: ما الذي تغَيَّر في حياةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل لَعَن خديجة، أو عابها، أو شتمها، أو ماذا؟ نحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة، وهو يتزوج سودة بنت زمعة، وهو لَم يُهاجِرْ بعد إلى المدينة، وسورة النساء التي تبيح التعدُّد لَم تنزلْ بعدُ، فماذا تغيَّر في حياة محمد - صلى الله عليه وسلم؟

 

أيُعْتَبَر تغيُّرًا أنه تزَوَّجَ حين ماتَتْ زوجتُه؟! التغيُّر الوحيد الذي يُمكن أن نلاحِظَه هو أنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - خطب بأمر من ربِّه عائشةَ، (وليستْ خديجة)، مِن عند وزيره ورفيقه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - والطارئ هو هذا، وهذا ليس بطارئ؛ فمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يقلْ يومًا م

المزيد


المرأة في الإسلام 3 تلميع الجاهلية

ديسمبر 12th, 2009 كتبها سيد ولد عيسى نشر في , المرأة

تحدث الباحث في محور "الأمثلة" عن عِدَّةِ أمثلة اعتبرها دليلاً قاطعًا على وجود حقوق كبيرة للمرأة في الجاهليَّة، معتبرًا أنَّ الإسلام قضى على هذه الحقوق، وصادر تلك الحريات ونحن سنعرض - وإن بإيجاز - لأهم الأمثلة التي أوردها الكاتب معقبين بما سنح به الوقت من تعقيب.

أولاً: خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها -:
عرض الكاتب هنا لكثير من النِّقاط، سنناقش أهمها وأكبرها، ثم نعرج على ما بَقِيَ إنْ شاء الله.

وأهم ما قاله الكاتب هنا هو أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - استأذن خديجةَ - رضي الله عنها - في إعطاء حليمة حين جاءته ببعض المال فأعطتها، جاعلاً من ذلك دليلاً على سطوة المرأة الجاهليَّة على الرجل.

قال الكاتب: "واستئذان محمد من خديجة أنْ تساعِدَ أُمَّه بالرَّضاع يَحمل الكثيرَ من الدلالة على نفوذ وسطوة خديجة أثناء حياتهما الزوجيَّة قبل الرِّسالة"، وليس في هذا دليلٌ على ما يَدَّعي الكاتبُ، فلا يخفى على أحد ما كان يتمتَّع به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من رفق وشورى، وما يتميز به في هذا المجال خاصَّة مع النساء، وقد أوصى بِهِنَّ خيرًا؛ ((استوصوا بالنِّساء خيرًا، فإنَّهن خلقن من ضلع أعوج))، أو كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنَّ هذا الرِّفق واللين في بيت محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - لن يَجدهما الكاتب في أي بيت من بيوت الجاهليَّة التي يتصيد مَحاسنها، ومن ناحية ثالثة، فإنَّ هذا التصرف من النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليس خاصًّا بخديجة، ولا بهذه الفترة، بل إنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - استشار أم سلمة يومَ الحديبية، فأشارت عليه بالرأي في القصة المشهورة؛ مما يؤكد أن استشارته - صلَّى الله عليه وسلَّم - داخلة في إطار تشريعه للشورى كمبدأ في كلِّ مَراحل الإدارة، وهي استشارة داخلة في التطبيق النبوي لهذا المبدأ الإسلامي الأصيل.

ومن ناحية رابعة، فليس هذا بدعًا في هذا الدين، بل إنَّ هذا الدين الذي جاء به النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأمر بالشورى، ويطلب من الزوجين أن يتشاورا في أمور بيتهما وأبنائهما؛ قال تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233]، وقال: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6]، فمشاورة الرجلِ للمرأة ليست من أعمال الجاهلية التي نقضها الإسلام - كما يزعم الكاتب - وإنَّما هي من الأخلاق التي جاء الإسلام بها.

وقد تحدَّث الكاتب هنا عن نقاط أخرى منها: 
أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم، حسب تعبير الكاتب - "ما تجرأ محمد على الزواج من نساء أُخَر في حياتها"، وهذا يدل على عظيم فضل خديجة، وعلى عُلُوِّ منزلتها عنده - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو لم يتزوج بعد خديجة إلاَّ بأمرٍ من الله، ولمصلحة يأتي بها زواجُه على الإسلام، وإلاَّ فلا يُمكن أن نفهم لماذا كان في شبابه مكتفيًا بامرأة واحدة حتى كبر - صلَّى الله عليه وسلَّم - جمع تسعَ نساء، هذا يفهمه فقط مَن أدرك أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مأمور ينفذ أوامر ربه ولا يعصيه.

والأدلة على ما نقول أكثر من أنْ تُحصى، أما من أعمى الله قلبه، وطمس بصيرته، فلا يفهم هذا ولا يعقله.

ولا أدل على فضل خديجة ومنزلتها وعلى حرص الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - على مكافَأَتِها مما رواه الفاكهي في ‏"كتاب مكة‏"‏، عن أنس: ‏"أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان عند أبي طالب، فاستأذنه أنْ يتوجه إلى خديجة، فأذن له، وبعث بعده جارية له يقال لها: نبعة، فقال لها‏:‏ انظري ما تقول له خديجة‏؟‏ قالت نبعة‏:‏ فرأيت عجبًا، ما هو إلاَّ أن سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب فأخذت بيدها، فضمتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت‏:‏ بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبيَّ الذي ستبعث، فإنْ تكن هو فاعرف حَقِّي ومنزلتي، وادعُ الإله الذي يبعثك لي‏.‏

قالت‏:‏ فقال لها‏:‏ والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدًا، وإن يكن غيري، فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدًا‏"‏[1].


وهذه الحادثة سابقة على النبوة، وتدُلُّ على حب خديجة الشديد للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما يدل تعقيبه هو على كلامها على مستوى حرصه على مكافأتِها والوفاء لها.

وعدم زواجه - صلَّى الله عليه وسلَّم - على خديجة جزء من مُكافأتِه ووفائه لها، كما قال ابن حجر - بعد أن ذكر إحسان خديجة على النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم - ‏:‏ "ومما كافأ به المصطفى - صلَّى الله عليه وسلَّم - خديجة على ذلك في الدُّنيا:
أنَّه لم يتزوج عليها حتى ماتت، كما في مسلم عن عائشة وهذا مما لا خلافَ فيه بين أهل العلم بالأخبار‏.‏
وفيه دليلٌ على عظيم قدرها عنده، ومزيد فضلها؛ لأنَّها أغنته عن غيرها، واختصت به بقدر ما اشترك غيرها فيه مرتين:
لأنه عاش بعد ما تزوَّجها ثمانيةً وثلاثين عامًا، انفردت
خديجةُ منها بخمسة وعشرين، وهي نحو ثلثي المجموع.
ومع طول المدة صان قلبها من الغَيْرة ونكد الضَّرائر"
[2].

ومع كل هذا، فالنَّبِي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يلتزم لخديجة أنَّه لن يتزوج عليها ولم يقصد زواجًا، فمنعته سيطرتُها منه، ولو وقع هذا، لكان شاهد صدق على ما قال الكاتب، ولكنه لم يقع بشكل مُطلق.
 
ثم يقول الكاتب: "ولعلَّ أكبر مثال على نفوذ وسطوة نساء العرب في الجاهلية يتمثل في الدور الكبير، الذي لعبته هذه السيدة القرشية في تشجيع زوجها محمد على نشر الإسلام والثَّبات عليه"، وليس في هذا دليل على ما ادَّعى، فالنساء بطبيعتهن عاطفيَّات، ويَستطعن إعمالَ عاطفتِهن في تثبيت أزواجهن على المواقف، وفي الأماكن الصعبة، ولا علاقةَ لهذه العاطفة بزمان ولا بمكان، ولا بدين ولا جاهليَّة، وإنَّما هي جزء من تكوين المرأة ثابت فيها بحكم فطرة الله التي فطرها عليها.

وبعد ذلك، فإنَّ خديجة - رضي الله عنها - ليس لها في أمر الرِّسالة شيء، ولم تزد على أنْ ذكرت النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بصفات فضيلة تعرفها فيه؛ "والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنَّك تحملُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المعدومَ، وتَقْرِى الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق"، وهذا الفضل وهذه الفطنة إنَّما اكتسبتهما خديجة من مساكنتها للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومن عَمِّها العالم بدُنُوِّ بَعثته، كما تدل على ذلك رواية الفاكهي السابقة، ولذلك لم تُؤْثَر هذه الفطنة عند أي امرأة من العرب غيرها.

ثانيًا: هند بنت عتبة - رضي الله عنها -: وقد تحدث الكاتب عن هذه المرأة بمواقف كلها حجة عليه، وهي: 
1 - استقلاليتها المالية: "كانت تملك مالها الخاص وحق التصرف به، بدليل توجيه عبدها وحشي لقتل حمزة، ثم إعتاقه بعد أن وفى بوعده"، وهذا لا يحمل أيَّ دليل على ما يدَّعيه الكاتب، فقريش كانت تريد قتلَ حمزة - رضي الله عنه - ولو لم يكن لها في قتله حاجة، لما أَقَرَّت هندَ على قتله، النساء في التصرف في ممتلكاتهن حتى يجعل الكاتب الفضل في ذلك للجاهلية دون الإسلام؟! ولكن الحقيقة التي جهلها الكاتب أو تجاهلها هي أنَّ الإسلام لم يَمنع النساءَ من التصرُّف في مُمتلكاتهن، بل هو الذي حمى ممتلكاتهن من عُدوان الرجال عليها؛ قال تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]، وقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، وكل هذه الأمور التي نهى القرآن عنها وحَرَّمها كان معمولاً بها في الجاهليَّة، فعن أيِّ حرية ماليَّة تتحدث، وحَتَّى ولو كانت الجاهلية قد أعطت هندَ بنت عتبة وشبيهاتِها من نساء الأمراء وبنات الكُبَراء حرية التصرُّف المالي، فإنَّ الغالبَ الأعم أنَّ الجاهلية لا تعطي للمرأة ميراثًا ولا صداقًا، ويَحتالون على أموالهن بمختلف الحيل، ورُبَّما بقي لإحدى نساء الجاهلية مالُها؛ نظرًا لوجود حامٍ يَحميها يخاف بأسه ليس إلاَّ.

2 - ثم يقول الكاتب: "وقصة دَورها الكبير في التحريض لمعركة أحد يدُلُّ على أنَّ المرأة في ذلك المجتمع لم تكن مُهمشة، كما حدث لها في ظلِّ المجتمع الإسلامي"، ولَعَلَّ الكاتب لا يعلم أنَّ الغزوةَ نفسها التي يتحدث عنها كانت فيها نساء المؤمنات يُحرِّضن المسلمين على القتال، ولعله لا يعلم أنَّ نسيبة - رضي الله عنها - شلَّت يدها يومَ أحد في الدِّفاع عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولعله كذلك لا يعلم أنَّ فاطمة بنت محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأم سلمة وعائشة بنت الصديق كن يومَ أحد مع المسلمين يُداوين الجرحى.

أما دور نساء قريش "الكافرات"، فلا نعلم في كتب التاريخ عنهن إلا النوح، أو ذلك التصرف البهيمي الذي فعلنه من التمثيل بالقتلى وأكل كبدهن، وقد تاب الله على هند، ورضي الله عنها حين عادت عن غَيِّها ودخلت في الإسلام، ومع هذا فإن هند زوجة القائد العام لجيش الجاه

المزيد





إن طال درب الصاعدين إلى العلا

فـعلى ضفاف المكرمات الملـتقى

فهناك يظهر حين ينكشف الدجى

مـن كان خـوانا وكان المـشـفـــقا