كنت في الجزء الأول من المقال قد توقَّفت عند بعض النِّقاط التي أثارها (أبو لهب) حول المرأة، وتعامل الإسلام معها معرِّجًا على بعض الشُّبَه الأخرى المتعلِّقة بالعقيدة، وقد كانت نهاية ذلك الجزء عند التعليق على آية: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، وها أنا أواصل التعليق على النِّقَاط ورد الشُّبَه - بعون الله - بادئًا من حيث انتهيتُ هناك، والله الموفق.
يقول الكاتب: "إن الآية تتعامل معهنَّ بالكيلو؛ لأن المعنى هو: تزوجوا ما يعجبكم من النساء، اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، وهو خطابٌ ذكوري يدني من شأن الطرف الأنثوي".
عجبًا! من أين للكاتب هذا التأويل البعيد؛ بل والمنكر على الأصحِّ؟! الآية تحدِّد عددَ الزَّوجات بأربعٍ في أقصى الحالات، وتُقيِّد إباحة الأربع بالجزم بالعدل بينهن؛ {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وهو مع ذلك يجعله خطابًا أنثويًّا، ويتناسى أن الآية جاءت:
• لحدٍّ أقصى للمباح من الجمع بين النساء بأربع.
• لتُقيِّد ذلك بالاستطاعة.
• لتقف في وجه مَن يتطاول من الرجال على حقوق النساء، مبينة أن ذلك ليس تطاولاً على حقوقهن، وإنما هو تحدٍّ وتجاوز لحقوق الله الذي خلقه وخلقهن {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1].
• لتضمن لهنَّ نيل حقوقهن المادية: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، والمعنوية: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
والكاتب تُوحِي عبارته: "اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة" أنه لم يفهم المراد من الآية، فليس المراد أن يتزوج ستًّا، ولا أن يتزوج ثمانيًا، وليس الأمر بعد ذلك أمرًا واجبًا، وإنما المراد قصر الزواج على اثنتين أو ثلاث أو أربع على الأكثر، إباحةً لا وجوبًا.
وأمَّا ذكورية هذا الخطاب فنعم؛ لأن الذكور هم الذين كانوا يأكلون حقوق النساء، وهم المدعوُّون في الآية إلى التخلِّي عن هذا الخلق الخسيس.
وأما كونه يدني من شأن المرأة فكلاَّ، بل يُعلِي من شأنها، ويجعل قضاياها محلَّ نقاشٍ في أعلى دستور إسلامي، ألا وهو القرآن.
وقفة مع المحذوف:
من العجب العجاب ومن اللاَّفت للانتباه أن الكاتب تجاوز فقرة في الآية الكريمة هي قوله - تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، وقد وقفتُ متحيِّرًا أمام الأسباب التي جعلته يحذف هذه العبارة من النصِّ، فقلت: لعلَّه لا يعرفها، لكن خاب ظنِّي حين وجدته ذكرها مع الآية في المقال سابقًا، ثم قلت: لعلَّه اكتفى من الآية بالألفاظ المتعلِّقة بالتعدُّد، فإذا به يذكر ما بعد الجملة المحذوفة، وعلى كلٍّ فإن الجملة التي تجاهلها الكاتب تَرُدُّ عليه زعمَه وتدحض حجَّتَه، وتنسف كلَّ ما قاله عن التعدُّد من أصله.
يقول الكاتب: "{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، تُسانِد هذه الكلمات أن المعنى الغالب في هذه (الآية) هو النُّكح بمعنى فعل الجنس؛ لأن وطأ ملك اليمين محلَّل بحكم الملكية وهو ليس الزواج، ويؤدِّي التركيز القوي لمعنى الزواج كفعل للجنس وربطه وقرنه بالعبودية، وفي جملة (آية) واحدة إلى امتهان فاضحٍ لمعنى الزوجية، المفروض أن يكون معنًى ساميًا ومشاركة متبادلة بين إنسانين لهما نفس الوزن في هذه العلاقة".
إن الكاتب يقف بكلِّ ما أُوتِي من قوة، ويبذل كلَّ ما لديه من جهد من أجل أن يكون معنى الآية الكريمة {فَانْكِحُوا} فطَؤُوا، وهو معنى يستحيل عند مَن له أدنى نصيبٍ من المعرفة بالعربية وأساليبها والشريعة وأحكامها؛ وذلك لاعتبارات من بينها:
• أنَّ النكاح إذا كان بمعنى الوطء ينعدم الفرق بين النكاح والزنا، وشتَّان ما بين الاثنين شرعًا وعقلاً.
• أن الشريعة نهت أن يدخل الرجل على أيٍّ من زوجاته في غير يومها، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يأمر بوطئهنَّ مجتمعات؟!
• أن الإسلام دعا إلى التستُّر عند اللِّقاء بين الزوجين، وضبط ذلك بضابط الحياء والكتمان، فلا يمكن أن يبيح وطءَ نساء مجتمعات في مكان واحد، فهذه فكرة حيوانية شهوانية لا يمكن أن يتصوَّرها إلا مُنْحَلُّ الأخلاق، مُنْحَطُّ التَّصوُّر، جاهلٌ بالإسلام وآدابه.
وقفة مع ملك اليمين:
شرع الله للرجل المسلم أن يطأ أَمَتَه المسلمة دون عقدٍ ولا مهرٍ، فلماذا هذا التشريع؟ ولماذا شرع تعبيد بعض الناس لبعض أصلاً؟ هل شرع هذا الأمر لكي تَلِجَ الأمة أعلى درجات الهوان؟ أم ليجد الرجل أعلى درجات اللذة البهيمية؟ أم ليحرص الناس على الرقِّ، ويتبارون في ملك الجواري؟
أولاً: جاء الإسلام وسوق الرقيق قائمٌ على قدمٍ وساقٍ، كلُّ مَنْ قدر على أن يستعبد حرًّا يستعبده مهما كان، والقبيلة تهاجم جارتها على غِرَّة منها فتسبي وتستعبد مَن شاءت دون حقٍّ، والفقر بدوره مصدر لاستعباد الناس.
وقد حرَّم الإسلام كلَّ هذه الطرق الملتوية، وأحلَّ للاستعباد طريقًا واحدًا، هو طريق الجهاد في سبيله المكتمل الأركان والشروط.
وكان هذا التشريع رحمةً بالمستعبَدين؛ لأنه يبقي لهم حرياتهم الدينية والثقافية والأخلاقية، ويقدم لهم الغذاء مقابل عمل لا يرهقهم ولا يؤذَون فيه، ولا يمنع الإسلام من عتق أيٍّ منهم أراد أن يكسب حريَّته مقابل مبلغٍ يتَّفق عليه هو وسيده المسلم، بل يشجع الإسلام على ذلك ويطالب به كما سيأتي.
وقد شرع الإسلام هذا؛ ليريهم رحمته وعدالته وتسامحه؛ علَّ أن يلين ذلك قلوبهم فيسلمون بقناعة واختيار.
ثانيًا: بعد هذا شرع الإسلام باب العتق على مصراعيه، فجعل له مخارج، من أهمها:
• ترغيبه في عتق العبيد، وإعطاؤه الثواب الجزيل على ذلك.
• جعل العتق كفارةً لأخطاء كثيرة، منها:
• كفارة اليمين.
• كفارة القتل.
• كفارة الظهار.
• طلبه من المسلمين مساعدة العبد حين يطلب التحرُّر؛ {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33].
• تخصيصه نصيبًا من الزكاة التي هي ثالث دعائم الإسلام للأرقَّاء؛ {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60].
ثالثًا: لم يكن تشريع الإسلام لوطء الأَمَة دون عقد ولا صداق عبثًا، وإنما كان جزءًا من خطته العظيمة للقضاء على الرقِّ؛ فقد كان هذا التشريع يهدف أهدافًا سامية، من أهمها:
أ- تلبية الرغبة الجنسية لدى الأَمَة: إذ يرغب الناس عن نكاح الإماء دائمًا، والإسلام واقعيٌّ يعلم أن لهنَّ رغباتهن الجنسية الفِطرية، فأراد أن يكسر الحاجز بينهن وبين أسيادهنَّ ليحصلن على إشباع تلك الغريزة الفطرية، هذا مع العلم أن الإسلام كره تزوج الإماء ولم يبحه إلا للضرورة الشديدة؛ وذلك حرصًا منه على القضاء على الرقِّ بأسرع وقت، ومحاصرته في أضيق الزوايا، وكذلك:
ب- ليعالج المشكلة النفسية لديهنَّ، فالشخص المباشِر لهن الذي يتولَّى استخدامهن هو الذي يلبِّي لهن رغباتهنَّ، وهذا ما يجعلهن يترفَّعن عن المهنة التقليدية لهن في الجاهلية (البغاء).
جـ- أن يحصلن بذلك في المستقبل على الحرية بأن يصرن أمهات أولاد، ومعلومٌ أن أم الولد تتحرَّر بمجرَّد موت سيِّدها، ولا يمكن أن يُعيِّرها ذوو سيدها بأنها كانت أمة؛ لأنها أصبحت أم أولاد ابنهم.
وهنا يعلم أن الإسلام لم يشرِّع هذا التشريع الحكيم عبثًا؛ وإنما شرعه لحكمة بالغة لا علاقة لها بإشباع الشهوات المنحرفة، ولا بتشجيع الرق، ولا بإهانة الإماء؛ بل على العكس من ذلك كله.
وهنا يتبين حَيْفُ الكاتب ومجانبته الصواب حين قال: "عند أخذ هذه المعاني بالجملة تخرج صورة مزرية لفكرة الزواج في الإسلام، فكرة الزواج كشراكة أبدية بين إنسانين متكافئين، تقوم على المحبَّة والرَّحمة وعلى التعهُّد الضمني أو المصرح بمواجهة الحياة في السرَّاء والضرَّاء، ليست غير موجودة فحسب، ولكنها تستبدل بشراكة تركز على أحقية الرجل في (نكاح) زوجته، مع الحق الإلهي له في (نكاح) نساء أُخريات، حسبما يمليه عليه ضميره، وحسب نوازع شهوته، وحسبما تسمح له حالته المادية باقتناء الجواري.
وقد أحدث القرآن هذا التغيير بجرَّة قلم في جملة واحدة؛ ليمحو الكثير من الحقوق ومن المنزلة التي تمتعت بها المرأة في الجاهلية".
وقفة مع المصادر التاريخية للعصر الجاهلي:
إنَّ الكاتب حين أراد الحديث عن الحرية التي يزعمها للمرأة في الجاهلية قدَّم بين يدي عجزها عن الحصول على أدلَّة لما يقول باعتذارٍ مفاده: أن أغلب تاريخ العرب في الجاهلية كتبه مسلمون، وذكر أن الصورة التي عند المسلمين هي أن الجاهليين كانوا يَئِدُون بناتهم؛ ليرسل نَفْثَةَ شكٍّ إلى هذه الحقيقة باعتبارها لا تساندها أدلَّةٌ كبيرة من الشعر الجاهلي، ناسيًا أو جاهلاً أن الشعر الجاهلي بدوره لا يوجد منه محفوظ إلا ما كان عند المسلمين.
وهنا أقول بشكل مجمل: إن الانتقائية لا ينبغي أن نأخذ بها المصادر التاريخية؛ فالمسلمون بطبيعتهم لا ينفون الآخر وإنما يعترفون له بفضله كاملاً غير منقوصٍ، وهذا المبدأ الإسلامي الأصيل طبَّقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق))، فهذا اعترافٌ منه - صلى الله عليه وسلم - كعادته بما كان في الجاهلية من فضل، بل هناك دليلٌ آخر على وفائه - صلى الله عليه وسلم - لأي خُلُقٍ نبيل؛ فهو الذي حضر حِلْفَ الفُضُول، وقال حين تذكَّره وهو بالمدينة والصراع مع الجاهلية على قَدَم وساق: ((لقد حضرتُ في دار عبدالله بن جدعان حلفًا ما أودُّ أن لي به حمرَ النَّعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت)).
وعلى هذا النَّهج صار المؤرِّخون المسلمون يعترفون للجاهلية بما كان فيها من صواب مهما كانت قلَّته، ولولا ذلك لما وجدت (يا أبا لهب) مادةً لمقالك حتى تثبت للمرأة في الجاهلية شيئًا.
وقد (أخطأ است (الكاتب) الحفرة) - كما يقول المثل العربي - حين التمس المعاذير للجاهلية في وأدها لبناتها بعد أن لم يجد ملجأً يحميه من المصادر التاريخية الإسلامية بعد أن فشلت - حتى في ذهنه هو - محاولته لنفي الوَأْدِ من التاريخ والشِّعر الجاهلي، فقال: "مما لا شكَّ فيه أن انتشار الفقر بين بدو القبائل قد أدَّى إلى الكثير من هضم لحقوق الأفراد، ولكن هذا يحدث في أيِّ مجتمع يعيش على حافَّة الكفاف".
أيُّ منطق تبريري هذا حين تصادر (ليس) حريات الأفراد فقط - كما سماها هو - بل ذواتهم؟ كيف يمكن للتبرير سواء بالفقر أو الجهل أو أيِّ عذر أن يجد طريقًا إلى مَن يأخذ إنسانًا حيًّا، ويستودعه التراب أحرى إن كان ثمرة فؤاده وقرة عينه؟! إنه الإجرام إن قبلنا هذا التصرف مهما كان جهل وتخلف صاحبه.
ويضرب الرجل صفحًا عن الصفحة التي فتحها للتحقيق في قضية الوأد لي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ